الغاز يعيد الحياة للحكومة

غاز لبنان يفتح شهية الدول

الجمهورية

كتب جوني منير: أيام وتستأنف المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، التفاؤل قد لا يكون نابعاً مما ستحمله هذه الجولات فهي ليست أكثر من مؤشر لمحادثات أخرى أكثر أهمية لا بد أنها تدور في مكان ما، وتلامس ما هو محرم طرحه في العلن، لذلك نشطت الحركة بنحو لافت خصوصاً على الساحة السورية وكانت حركة معبرة

الإمارات تفتح طريق استعادة سوريا إلى الحضن العربي، هي خطوة تحمل عناوين كثيرة، لكن يبقى عنوان واحد يتجانس مع متطلبات المرحلة ويقضي بإعادة ملء المساحة الفارغة المحيطة بقصر المهاجرين للتخفيف من الاستئثار الإيراني بالعلاقة مع الرئيس السوري بشار الأسد

وفي الوقت نفسه، وبعد طول أخذ ورد، نجحت موسكو في إقناع الإيرانيين بالانسحاب من مطار “تي فور” العسكري بالقرب من حمص بالتزامن مع زيارة وفد روسي لطهران

لا شك أن كل هذه التحضيرات، أكان على مستوى فك العزلة العربية عن الأسد أو على المستوى العسكري، أما تنبئ بشيء ما يجري التحضير له، ويمكن اختصاره بما قاله أعضاء الوفد الأميركي خلال زيارتهم لبيروت وخلال جلسة خاصة: بايدن مصر على إنجاز الاتفاق مع إيران، وهو ما يفترض أن يعني أن مياهاً كثيرة تسيل تحت الأرض. قد يكون الجميع اكتفى بالضربات المتلاحقة التي سادت خلال السنوات الماضية، فلا حاجة لمزيد من اختبارات القوة، اغتيال كبير علماء إيران النوويين، وقائد فيلق القدس قاسم سليماني وانفجارات غامضة طاولت 4 منشآت، لكن إيران في المقابل نجحت في تجاوز هذه الضربات الأمنية، حتى المنشآت فهي تمكنت من إعادة تشغيلها بسرعة لا بل وعملت على تحسين قدراتها

في المقابل، قلصت الولايات المتحدة من حضورها العسكري في المنطقة، وباشرت في وضع خططها لانسحاب كامل بعد انسحاب مذل من أفغانستان، لكنها تتمسك بقاعدة التنف لأسباب عسكرية وأمنية للمستقبل المنظور على أقل تقدير

ومن يراقب الواقع الصاخب بشيء من الهدوء والتروي، يلاحظ أن إيران التي سحبت العديد من رجال الحرس الثوري من سوريا، تعمل على ترجمة حضورها العسكري إلى نفوذ سياسي راسخ وطويل الأمد. فعلى سبيل المثال، كانت قد أعلنت في وقت سابق نيتها بناء شبكة سكك حديد تربط غرب إيران بميناء اللاذقية عند الشاطئ السوري. كذلك نشطت شركات التطوير العقاري الإيرانية في سوريا وتحديداً في العاصمة دمشق ومحيطها واستحوذت لها على حصص واسعة، وهي النقطة التي أثارت حفيظة روسيا التي من جهة ما تزال في حاجة للقوى والمجموعات الموالية لإيران والموجودة على الأرض لملء الفراغ ومساعدة الجيش السوري في وجه المجموعات التي تقاتله. ومن جهة أخرى، لا تستسيغ أن يشاركها أحد مستقبلاً النفوذ السياسي والاقتصادي وخصوصاً عند الساحل السوري

هي مسألة متروكة للمرحلة اللاحقة ولو أن مؤشراتها توحي بأن قمة اتفاقات تجري حياكتها في قاعات بعيدة. هذا من دون إغفال الرغبة الروسية في أن يكون لها دور وحصة في بلوكات الغاز اللبنانية حيث ورشة الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية، الوفد النيابي الأميركي الذي زار لبنان جدد بدوره ما دأب المسؤولون الأميركيون على تردداه مؤخراً: لن يكون لبنان ثمناً أو جائزة ترضية لتسويات المنطقة، صحيح أن تجاربنا التاريخية لا تجعلنا نثق كثيراً بالوعود الأميركية، لكن المسألة مختلفة الآن

أولاً، لأن الفاتيكان الذي يضع الملف اللبناني بنداً أساسياً في لقاءاته المؤثرة، سمع التزاماً واضحاً ومباشراً من الرئيس الأميركي جو بايدن خلال لقائه الأخير مع البابا بهذا الخصوص

ثانياً، لان الإطاحة بالصيغة اللبنانية أو الدستور اللبناني الحالي يلقى معارضة شاملة لدى معظم القوى المؤثرة والمحيطة بلبنان وفي طليعتها روسيا الحساسة جداً تجاه مصالحها في البحر الأبيض المتوسط، وإسرائيل بطبيعة الحال، أضف إلى ذلك مصلحة مصر التي باشرت دوراً جديداً على الساحة اللبنانية كبديل إقليمي عن السعودية في رعاية أوضاع الشارع السني

ثالثاً، لأن الظروف التي حتمت في العام 1976 تلزيم لبنان لسوريا لم تعد موجودة في المطلق، ولم تعد هنالك قوى إقليمية كبرى متجاورة مع لبنان، الخريطة اختلفت بشكل جذري

إن التحركات الحاصلة تحمل مؤشرات بليغة عن ترتيبات ما تحصل في الخفاء وقطعت أشواطاً كبيرة، وهذا ما سينعكس أيضاً على لبنان، فالهزات المتتالية التي كانت تنفجر كان من الواضح أنها محكومة بسقف لا يمكن أحد تجاوزه. موسكو عينها على الغاز في البحر اللبناني، وواشنطن تريد إنجاز ترسيم الحدود البحرية وهو ما يعكس وجود تفاهمات ملائمة في كواليس المفاوضات، وثمة مرونة لدى الأميركيين بتعديل رؤيتهم لـ”خط هوف”، وهذا مؤشر إضافي. لكن استعادة المفاوضات تحتاج لعودة مجلس الوزراء إلى الانعقاد. ولهذه العودة ثمن يريد تحصيله حزب الله ومعه الرئيس نبيه بري، ويقضي بإيجاد حل لملف التحقيقات في موضوع تفجير المرفأ، ومن البديهي الاستنتاج أن هذه التفاهمات ستحصل قريباً خلال الأيام المقبلة، وهو ما سيسمح بانعقاد مجلس الوزراء مجدداً الأسبوع المقبل على ما يبدز، على أن تكون أولى قراراته قبول استقالة جورج قرداحي وتعيين بديل منه

في الواقع، للغاز قوة دفع هائلة، خصوصاً إذا ما كان يرتكز على أرض مفاوضات ملائمة تشارك فيها القوى المتنازعة في العلن والمتفاهمة في الكواليس

الكاتب: Talal

مجموعة من الصحفيين المستقلين نقوم بنقل الأخبار والمقالات والدراسات والأبحاث بطريقة سلسة وموضوعية، تسهل على القارئ اختيار أبرز الأخبار والمقالات من خلال موقع واحد

%d مدونون معجبون بهذه: